محمد حسين هيكل
85
حياة محمد ( ص )
ومما زاده انصرافا إلى التفكير والتأمل اشتغاله برعي الغنم سني صباه تلك فقد كان يرعى غنم أهله ، ويرعى غنم أهل مكة ، وكان يذكر رعيه إياها مغتبطا . وكان يقول : « ما بعث اللّه نبيّا إلا راعي غنم » . . . ويقول : « بعث موسى وهو راعي غنم ، وبعث داود وهو راعي غنم ، وبعثت وأنا أرعى غنم أهلي بأجياد » . وراعي الغنم الذكيّ القلب يجد في فسحة الجوّ الطلق أثناء النهار وفي تلألؤ النجوم إذا جنّ الليل موضعا لتفكيره وتأمله يسبح منه في هذه العوالم ، يبتغي أن يرى ما وراءها ، ويلتمس في مختلف مظاهر الطبيعة تفسيرا لهذا الكون وخلقه ؛ وهو يرى نفسه ، ما دام ذكيّ الفؤاد عليم القلب ، بعض هذا الكون غير منفصل عنه . أليس هو يتنفّس هواءه ولو لم يتنفسّه قضى ! أليست تحييه أشعّة الشمس ويغمرها ضياء القمر ويتّصل وجوده بالأفلاك والعوالم جميعا . هذه الأفلاك والعوالم التي يرى في فسحة الكون أمامه ، متصلا بعضها ببعض في نظام محكم ، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا اللّيل سابق النّهار ! ! وإذا كان نظام هذا القطيع من الغنم أمام محمد يقتضي انتباهه ويقظته حتى لا يعدو الذئب على شاة منها ، وحتى لا تضلّ إحداها في مهامه البادية ، فأيّ انتباه وأية قوّة تحفظ على نظام العالم كلّ إحكامه ! وهذا التفكير والتأمل من شأنهما صرف صاحبهما عن التفكير في شهوات الإنسان الدّنيا والسمّو به عنها بما يبديان له من كاذب زخرفها . لذلك ارتفع محمد في أعماله وتصرفاته عن كل ما يمسّ هذا الاسم الذي أطلق عليه بمكة وبقي له : « الأمين » . يدلّ على ذلك كله ما حدّث هو عنه ، من أنه كان يرعى الغنم مع زميل له ، فحدّثته نفسه يوما أن يلهو كما يلهو الشباب ، فأفضى إلى زميله هذا ذات مساء أنه يودّ أن يهبط مكة ، يلهو بها لهو الشباب في جنح الليل ، وطلب لذلك إليه أن يقوم على حراسة أغنامه . لكنه ما إن بلغ أعلى مكة حتى استرعى انتباهه عرس زواج وقف عنده ، ثم ما لبث أن نام . ونزل مكة ليلة أخرى لهذه الغاية ، فامتلأت آذانه بأصوات موسيقية بارعة كأنما هي موسيقى السماء ، فجلس يستمع ثم نام حتى أصبح . وماذا عسى أن تفعل مغريات مكة بقلب مهذّب ونفس كلها تفكير وتأمل ! ماذا عسى أن تكون هذه المغريات التي وصفنا والتي لا يستريح إليها من يكون دون محمد سمّوا بمراحل كثيرة ! لذلك أقام بعيدا عن النقص ، لا يجد لذّة يذوقها أطيب لنفسه من لذة التفكير والتأمل . حياة التفكير والتأمل وحياة التفكير والتأمل وما يستريح إليه من عمل بسيط كرعي الغنم ، ليست بالحياة التي تدرّ على صاحبها أخلاف الرزق أو تفتح أمامه أبواب اليسار . وما كان محمد يهتم لذلك أو يعنى به ، وقد ظلّ طول حياته أشدّ الناس زهدا في المادة ورغبة عنها . وما إقباله عليها وقد كان الزهد بعض طبعه ؟ ! وكان لا يحتاج من الحياة إلى أكثر مما يقيم صلبه ! أليس هو الذي عرف عنه كلّ حياته حرصه على شظف العيش ودعوة الناس إلى الاستمتاع بخشونة الحياة ؟ والذين يتوقون إلى المال ويلهثون في طلبه إنما يبتغونه لإرضاء شهوات لم يعرف محمد طوال حياته شيئا منها . واللذّة النفسيّة الكبرى ، لذة الاستمتاع بما في الكون من جمال ومن دعوة إلى التأمل ، هذه اللذّة العظيمة التي لا يعرفها إلا الأقلون ، والتي كانت لذة محمد منذ نشأته ومنذ أرته الحياة في نعومة أظفاره ذكريات بقيت مطبوعة في نفسه داعية إلى الزهد في الحياة ، وأولاها موت أبيه وهو ما يزال جنينا ، ثم موت أمه ، ثم موت جدّه - هذه اللذة ليست في حاجة إلى ثروة من المال وإن تكن في حاجة إلى ثروة نفسية طائلة يعرف الإنسان معها كيف يعكف على نفسه ويعيش بها وفي دخيلتها . ولو أن محمدا ترك وشأنه يومئذ لما نازعته نفسه إلى شيء من المال ، ولظلّ سعيدا بهذا الحال ، حال الرّعاة المفكرين الذين ينتظمون الكون في أنفسهم ، والذين يحتويهم الكون في حبّة قلبه .